أبي النصر محمد بن عبد الجبار العتبي
284
تاريخ اليميني ( تاريخ العتبي )
جرى من أمر عظيم الهند ، وهو الوجيه الرفيع ، والسد المنيع ، والسيف الصنيع ، قاس باعه بشبره ، وذراعه بفتره ، وأيقن أن رعن الجبال لا تطال بهضبات القور « 1 » ، وزرق البزاة لا تنال ببغاث الطيور ، فعجّل نقل أمواله على ظهور فيلته إلى سرنديب « 2 » ، وأخلى الملتان للسلطان يفعل فيها ما يشاء ، فثنى العنان إليها مستعينا بالله تعالى على من أحدث في دينه ، [ 154 ب ] أو حدّث بتوهينه ، فإذا أهلها في ضلالتهم يخبطون ، وفي طغيانهم يعمهون ، يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ « 3 » ، فضرب عليهم بجران « 4 » المحاصرة « 5 » ، وكلكل المناجزة والمناحرة « 6 » ، جزّا للغلاصم ، وبتكا للأيدي من المعاصم ، وإرصادا لهم بالفاقرات القواصم ، حتى افتتحها عنوة ، وشحنها عقابا وسطوة ، وألزمهم عشرين ألف ألف درهم يرحضون « 7 » بها دنس استصعابهم « 8 » ، ويدرأون عن أنفسهم هجنة استشرائهم وإبائهم « 9 » .
--> ( 1 ) جمع قارة : الجبل الصغير ، أو الأكمة الكبيرة . ابن منظور - لسان العرب ، مج 5 ، ص 122 ( قور ) . ( 2 ) سري لانكا الحالية . عنها انظر : ابن خرداذبة - المسالك والممالك ، ص 64 ؛ المقدسي - أحسن التقاسيم ، ص 486 . ومن غير المعقول أن يكون قد نقل أمواله إلى سرنديب ، فهي بعيدة جدا . خاصة وإن الكرديزي يقول : « وحينما سمع الجت ( يقصد الهنود ) بخبر مجىء الأمير محمود ، أمسكوا خزائنهم وحملوها إلى جزائر بعيدة ( ولم يذكر سرنديب ) ، ثم قدموا مسلحين مجردين . . . حتى تحطمت سفن الجت أو غرقت أو هزمت ، . . . ثم واصلوا ( المسلمون ) السير . . . حتى وصلوا إلى خزائن الجت ، وأغاروا عليها ، وأخذوا كثيرا من السبايا . ومن هناك اتجهوا إلى غزنين » . زين الأخبار ، ص 310 - 311 . هذا الكلام لا يوحي بأنها سرنديب ، والأرجح أن تكون إحدى جزر بحر العرب . وربما اختلط الاسم باسم جزيرة أخرى ، خاصة وإن معظم جزائر الساحل الغربي للهند تنتهي بمقطع ( ديب - ديث ) . انظر : البيروني - تحقيق ما للهند من مقولة ، ص 185 . ( 3 ) سورة التوبة ، الآية 32 . وقد جاءت الآية مضطربة مختلطة بالآية 8 من سورة الصف . ( 4 ) الجران : مقدم عنق البعير من مذبحه إلى منحره . وجاء في حديث السيدة عائشة : حتى ضرب الحق بجرانه . أرادت أن الحق استقام وقرّ في قراره . انظر : ابن منظور - لسان العرب ، مج 13 ، ص 86 ( جرن ) . وفي قوله كناية عن نزوله بساحتهم ، لأن الإبل إذا أريد إناختها ، تضرب على جرانها فتبرك . ( 5 ) وردت في الأصل : المحاضرة . ( 6 ) ساقطة في ب . ( 7 ) يغسلون . ابن منظور - لسان العرب ، مج 7 ، ص 153 ( رحض ) . ( 8 ) وردت في الأصل : استعابهم . ( 9 ) ساقطة في ب .